دعم القيادات المحلية
رؤية أوليفيا ليلاند، المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لشركة «كو-إمباكت»، حول دور العمل الخيري في إحداث تحوّل جذري في مسار التنمية العالمية.
الثلاثاء, 13 يناير 2026
رؤية أوليفيا ليلاند، المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لشركة «كو-إمباكت»، حول دور العمل الخيري في إحداث تحوّل جذري في مسار التنمية العالمية.
الثلاثاء, 13 يناير 2026
أوليفيا ليلاند هي المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لشركة "كو-إمباكت"، وهي شراكة عالمية للعمل الخيري تجمع بين صُنّاع التغيير المحليين والجهات المموِّلة بهدف تعزيز أنظمة الصحة والتعليم والاقتصاد وجعلها أكثر قوةً وشمولًا، إلى جانب دعم المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة من الوصول إلى مواقع القيادة. يعمل فريق "كو-إمباكت" عبر خمس قارات، داعمًا شركاء في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية. وقد شغلت أوليفيا سابقًا منصب المديرة المؤسسة لمبادرة "Giving Pledge" التي أطلقها بيل غيتس، وميليندا فرينش غيتس، ووارن بافيت، لتشجيع العائلات الأكثر ثراءً في العالم على التعهّد بالتبرع بمعظم ثرواتهم للأعمال الخيرية.
تواجه المجتمعات، من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أفريقيا جنوب الصحراء وآسيا، أزمات متداخلة ومتراكبة، تشمل حالة من عدم اليقين الاقتصادي، وصدمات مناخية متكررة، وتراجع مساحات العمل المدني، إلى جانب تفاقم مستمر في عدم المساواة بين الجنسين. ورغم الطابع البنيوي والمنهجي لهذه التحديات، فإن استجاباتنا لها غالبًا ما تأتي مجتزأة ومحدودة، ولا ترقى إلى مستوى تعقيدها الحقيقي.
وعلى مدى عقود، انصبّ تركيز العمل الخيري والمساعدات على مشاريع قصيرة الأجل، ما أدى إلى الاكتفاء بحلول مؤقتة أو سطحية لمشكلات تتطلَّب معالجات جذرية، وسدّ الفجوات بدلًا من ترسيخ الأسس. وكانت النتيجة دوامات متكررة من التبعية، واستمرار هشاشة الأنظمة الديمقراطية، وتفاقم مظاهر اللامساواة. وعلى الرغم من الالتزامات العالمية بتقديم المساعدات، لا يصل إلى الجهات المحلية والوطنية مباشرة سوى 0.6% فقط من إجمالي التمويل الدولي. وهذه النسبة الضئيلة وحدها كفيلة بدق ناقوس الخطر، إذ تكشف عن فجوة عميقة بين الوجهة التي تتدفق إليها الموارد، والمكان الذي تتوافر فيه الحلول الحقيقية.
وقد شكّل التراجع الأخير في تمويل المساعدات الدولية نقطة تحوّل مفصلية في مسار العمل الخيري. فالأساليب التقليدية في التمويل والدعم — التي تتسم غالبًا بالتشتت والطابع الفوقي والتركيز على المبادرات قصيرة المدى — لم تعد قادرة على مواكبة تعقيدات الواقع الراهن.
صحيح أن العمل الخيري لا يستطيع — ولا ينبغي له — أن يتحمّل وحده عبء سد جميع الفجوات الناتجة عن تراجع المساعدات الخارجية، لكنه يمتلك قدرة حقيقية على إحداث نقلة نوعية: من منطق الإحسان المؤقت إلى شراكات قائمة على التعاون المستدام، ومن الاكتفاء بعلاج الأعراض إلى مواجهة الجذور العميقة للمشكلات.
ويتطلب ذلك إعطاء الأولوية للحلول التي يقودها الفاعلون المحليون، والإقرار بأن من يعيشون في قلب هذه التحديات — من النساء والفئات التي عانت من التهميش تاريخيًا — هم الأكثر قدرة على قيادة تغيير طويل الأمد.
فهؤلاء القادة يمتلكون معرفة عميقة بأنظمتهم، وبما يحكمها من سياقات ثقافية وتعقيدات سياسية. وما يحتاجونه هو تمويل مرن ومستدام، ودعم استراتيجي يتماشى مع رؤاهم وأهدافهم.
"عندما تعمل الأنظمة لصالح المرأة، فإنها تعمل بشكل أفضل للجميع."
في «كو-إمباكت»، نعتمد آلية صناديق التمويل الجماعي لإحداث تغيير منهجي على مستوى الأنظمة، بما يسمح بالعمل على نطاق يتناسب مع حجم التحديات، وذلك من خلال ثلاثة مبادئ رئيسية.
أولًا، تتيح صناديق التمويل الجماعي للمانحين توحيد جهودهم عبر مشاركة الموارد وتقليل عبء المخاطر الفردية. فبدلًا من أن يدعم عشرات المانحين مشاريع صغيرة ومعزولة لكلٍ منها متطلبات متباينة، توفر هذه الصناديق تمويلًا كبيرًا ومستدامًا، وهو ما يتطلبه إحداث تغيير جذري في الأنظمة. كما أن توحيد الموارد يفتح المجال أمام دعم مبادرات يتعذَّر على أي مانح واحد إنجازها بمفرده.
ثانيًا، من الضروري أن نؤسِّس مجتمعات يتشارك فيها المانحون والقادة المحليون التعلّم والعمل التعاوني.. فكثيرًا ما يُدار العمل الخيري بمعزل عن الواقع الميداني، حيث تُتخذ القرارات داخل غرف مغلقة، بعيدًا عن احتياجات المجتمعات التي يُفترض أن تخدمها هذه الجهود. أما التغيير الحقيقي فينبع من إزالة هذه الحواجز، وفتح قنوات تواصل مستدامة بين الجهات المانحة وقادة المبادرات الشعبية الأكثر التصاقًا بواقع مجتمعاتهم.
ثالثًا — وهو الأهم — أن تقوم هذه الشراكات على الثقة المتبادلة، مع إسناد زمام المبادرة لمن هم في قلب التحديات. فبدل فرض حلول جاهزة، ينبغي للعمل الخيري أن يوفّر تمويلًا مرنًا طويل الأمد ودعمًا استراتيجيًا يتيح للمنظمات المحلية تعديل مساراتها ومواءمة استراتيجياتها بناءً على ما تتعلمه وتكتشفه على أرض الواقع.
قد تبدو هذه التحولات محدودة في ظاهرها، لكنها قادرة على إحداث تغييرات عميقة في النتائج. فكيف ينعكس ذلك عمليًا؟
في نيجيريا، على سبيل المثال، دعمنا مبادرة "Gender Mobile Initiative" التي نجحت في دمج أطر فعالة لمكافحة التحرش داخل أكثر من 125 مؤسسة في مختلف أنحاء البلاد. وبدلًا من إنشاء كيانات موازية، عملت المبادرة من خلال المنظومات التعليمية والمهنية القائمة، وأطلقت حوارات مع قادة محليين يمتلكون فهمًا عميقًا للمؤسسات القابلة للتغيير. ويسهم هذا النهج حاليًا في دفع إصلاحات سياسية قد توفر الحماية لملايين النساء والفتيات.
وفي إندونيسيا، دعمت منظمة "PEKKA" المعنية بتمكين الأسر التي تعيلها النساء، أكثر من 85 ألف أسرة، وساهمت في تعزيز حقوقهن التعليمية، والاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية. كما نجحت في إحداث تغييرات في السياسات العامة، من بينها الاعتراف بالمرأة كولية أمر للأسرة في قانون السجل المدني.
أما في الهند، فتعمل منظمة "ARMMAN" على إحداث تحول كبير في آليات تقديم الرعاية الصحية للنساء الحوامل. وقد أسهم دعم "كو-إمباكت" لبرنامج المنظمة المعني بالحد من وفيات الأمهات وحديثي الولادة في حصوله على أكثر من 250 مليون دولار من وزارة الصحة الهندية لتوسيع نطاقه على مستوى البلاد، ليصل أثره إلى أكثر من 70 مليون امرأة وطفل.
ثمة خيط مشترك يجمع بين هذه التجارب: إعطاء الأولوية للنساء والفئات المهمشة التي طالما تم تجاهلها بصورة منهجية في نماذج التنمية التقليدية. ويذكّرنا نجاح هذه المبادرات — إن كنا بحاجة إلى تذكير — بأن تحقيق المساواة بين الجنسين ليس مجرد هدف تنموي، بل واجب أخلاقي.
"The expertise to reshape systems already exists in communities around the world. The question is whether philanthropy will recognise it - and resource it."
علينا أن نُقرّ بأن أثر عدم المساواة بين الجنسين ليس محايدًا. ففي "كو-إمباكت"، نبحث عن شركاء يدركون كيف تؤثر ديناميات النوع الاجتماعي في التمكين والوصول إلى الفرص، ويعملون بوعي على ابتكار حلول تعزّز قوة النساء والفتيات وتمكّنهن. وهذا يتطلب مواجهة العوائق الاجتماعية والهيكلية التي تُكرّس اللامساواة، لا الاكتفاء بمعالجة مظاهرها السطحية.
فعندما تعمل الأنظمة لصالح المرأة، فإنها تعمل بصورة أفضل للجميع. وحين تفشل في ذلك، فإنها تقود المجتمع بأسره نحو الإخفاق. فالنساء لا يعشن تجارب أحادية البعد؛ بل تتقاطع حياتهن مع مختلف الأنظمة: الصحة، والتعليم، والاقتصاد، وإدارة النزاعات والأزمات.
إن التصدي لهذه الأزمات المتشابكة يتطلب أكثر من حسن النوايا. إنه يستلزم عملًا خيريًا قائمًا على شراكات حقيقية تحترم الخبرة المحلية وتدعم الحلول المثبتة على أرض الواقع. فالكفاءات القادرة على إعادة تشكيل الأنظمة موجودة بالفعل داخل المجتمعات حول العالم. والسؤال الجوهري يبقى: هل سيعترف العمل الخيري بهذه الخبرات، ويمنحها الموارد والدعم اللازمين؟
إن التعاون، والثقة، والتفكير المنهجي، تفضي إلى نتائج أكثر فاعلية، لا سيما عندما تتمحور الجهود حول تحقيق المساواة بين الجنسين وتعزيز قيادة النساء. فالقادة المحليون — وخاصة النساء اللواتي تعرضن للإقصاء بفعل النظم التقليدية — هن من يمتلكن الحلول الحقيقية. ويمتلك العمل الخيري الموارد اللازمة لتوسيع نطاق هذه الحلول وتعميم أثرها.
وفي عالم تتفاقم فيه الأزمات، من اضطرابات المناخ إلى التراجعات الديمقراطية، وصولًا إلى اللامساواة المزمنة بين الجنسين، سيُقاس أداء العمل الخيري العالمي بهذا المعيار: هل سيواصل الاكتفاء بحلول مؤقتة تعمل كمُسكّنات؟ أم سيغتنم الفرصة لإحداث تحوّل جذري في الأنظمة عبر دعم أولئك الذين يعرفونها حق المعرفة؟
It's a good idea to use a strong password that you're not using elsewhere.
Remember password? Login here
Our content is free but you need to subscribe to unlock full access to our site.
Already subscribed? Login here