إشراك الناس في مجتمعٍ متحوّل
ماجد أبو نحيّة من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية يستكشف كيف يمكن أن تعمل السياسات والعمل الخيري معًا لتعزيز مشاركة المواطنين
الاثنين, 25 مايو 2026
ماجد أبو نحيّة من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية يستكشف كيف يمكن أن تعمل السياسات والعمل الخيري معًا لتعزيز مشاركة المواطنين
الاثنين, 25 مايو 2026
ماجد أبو نحيّة هو نائب رئيس تطوير القطاع في المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، حيث يقود مبادرات تشمل بناء القدرات، والعمل التطوعي، والاستثمار الاجتماعي، والشراكات الحكومية مع المنظمات غير الربحية. يتمتع بخبرة تزيد عن 15 عامًا عبر قطاعات متعددة، وأسهم بدور محوري في تطوير أطر قياس الأثر وتعزيز استدامة منظومة القطاع غير الربحي. شغل سابقًا مناصب قيادية في برنامج جودة الحياة ومنشآت، حيث ساهم في وضع استراتيجيات وطنية للاستثمار وريادة الأعمال
في النماذج التقليدية، ارتبط التطوع بشكل رئيسي بالإغاثة الخيرية—توزيع المساعدات، ودعم المبادرات المحلية، أو تقديم العون في أوقات الأزمات. غير أن المنظومات الحديثة للقطاع غير الربحي باتت تُدرك بشكل متزايد أن التطوّع بحد ذاته يؤدّي أيضًا وظيفة حوكمة مهمة.
فحين يُشارك المواطنون مباشرةً في أنشطة القطاع غير الربحي، فإنهم يفعلون ما هو أبعد من مجرد التبرّع بأوقاتهم؛ إذ يطّلعون عن كثبٍ على آلية عمل المؤسسات الاجتماعية، ويرَون بشكلٍ مباشر كيف تُصمَّم المشاريع وكيف تُوزَّع الموارد. هذا التفاعل يُقلِّص المسافة بين المؤسسات والمجتمع، ويحول التطوّع إلى شكلٍ من أشكال "الإلمام المؤسسي التشاركي". فالأفراد يبدؤون في فهم تعقيدات العمل الاجتماعي، فيما تكتسب المنظمات رؤيةً أعمق لتطلعات المجتمع واحتياجاته. ومع مرور الوقت، يُسهم ذلك في بناء ثقةٍ متبادلة بين المواطنين والمؤسسات.
وفي كثيرٍ من الدول التي لا يزال فيها القطاع غير الربحي في طور التوسّع، تكتسب وظيفة بناء الثقة هذه أهميةً خاصة. والمملكة العربية السعودية مثالٌ واضح على ذلك. فقد شهدت المملكة واحدًا من أسرع التوسعات في العمل التطوعي المنظّم على مستوى المنطقة. وفي إطار رؤية 2030، حدّدت الدولة هدفًا وطنيًا للوصول إلى مليون متطوّع سنويًا. ومع تبقّي أربع سنواتٍ على الموعد المستهدف، فقد جرى تجاوز هذا الرقم بالفعل، إذ تخطّت مشاركة المتطوعين 1.7 مليون فرد في قطاعاتٍ تشمل الخدمات الاجتماعية، والمبادرات البيئية، والتراث الثقافي، والتعليم، والدعم الإنساني.
وقد رافق هذا التوسّع عددٌ من التطوّرات الهيكلية مثل:
هذه التحوّلات نقلت العمل التطوعي من مبادراتٍ متفرّقة إلى منظومةٍ وطنية ممنهجة. غير أن دلالة هذا التحوّل تتجاوز مجرد أرقام المشاركة.
"بدلاً من النظر إليه على أنه مجرد تقديمٍ للخدمات، يمكن لصنّاع السياسات التعامل مع العمل التطوعي بوصفه بنيةً اجتماعية تربط المواطنين بالمؤسسات."
النموّ في القطاع غير الربحي لا يُقاس بالحجم وحده. فمع توسّع منظومة القطاع، بات التطوّع يعمل بشكلٍ متزايد كجسرٍ يربط بين المجتمع والمؤسسات. وثمة ديناميكياتٌ عدّة تدعم هذا الدور:
أولًا: يُعزّز التطوّع حضور المؤسسات ووضوحها، ممّا يُتيح للأفراد أن يرَوا بأنفسهم كيف تعمل المنظمات وكيف تُحدِث أثرها.
ثانيًا: يخلق ملكيةً مشتركة للمبادرات الاجتماعية، فينتقل بالمشاريع من كونها برامج مؤسسية إلى جهودٍ جماعية.
ثالثًا: يُعزّز التعاون بين القطاعات، إذ ينتقل المتطوعون بين المنظمات والجامعات والشركات، فيُكوّنون شبكاتٍ تُقوّي المنظومة.
ومع مرور الوقت، تُسهم هذه الديناميكيات في غرس ثقافة الانخراط المدني المبني على الثقة لا على المعاملة العابرة.
في القطاعات غير الربحية الناشئة، قد يسبق النموّ المؤسسي ألفة الجمهور بآليات الحوكمة. وبدون ثقة، قد تجد المنظمات صعوبةً في حشد مشاركةٍ مستدامة.
وتُشير تجربة المملكة العربية السعودية إلى أن التطوّع قادرٌ على سدّ هذه الفجوة. فبدلًا من النظر إليه كمجرد آلية لتقديم الخدمات، يمكن لصانعي السياسات التعامل معه باعتباره بنيةً تحتية اجتماعية تربط المواطنين بالمؤسسات.
وعندما يُهيكَل بفاعلية، يستطيع العمل التطوعي أن:
وتتجاوز هذه الآثار حدود المشاريع الفردية، لتعكس تحوّلًا عالميًا أوسع. فقد سُلِّط الضوء دوليًا على عام 2026 باعتباره فرصةً لتجديد الاهتمام بالعمل التطوعي—لا بوصفه نشاطًا مساعدًا، بل عنصرًا أساسيًا من عناصر التنمية المستدامة. وانطلاقًا من إرث "السنة الدولية للمتطوعين" التي أعلنتها الأمم المتحدة عام 2001، يعكس هذا التوجّه تحوّلًا أعمق: فالتطوّع بات يُنظر إليه بشكلٍ متزايد كجزءٍ من النسيج المؤسسي الذي يُديم الثقة والتعاون وحلّ المشكلات الجماعي.
والقضية هنا ليست المشاركة فحسب، بل العلاقة بين المواطنين والمؤسسات. فالأنظمة الرسمية—من تنظيمٍ وتمويلٍ وحوكمة—يمكن أن تتوسّع بسرعة، أمّا الثقة فهي تحتاج لتفاعلاتٍ متكرّرة وملموسة. وبهذا المعنى، يتحوّل التطوّع إلى نقطة التقاء—حيث تصبح الأنظمة المجرّدة مرئية، وحيث تلتقي السياسة بالتجربة المعاشة، وحيث ينتقل الأفراد من موقع المراقب إلى موقع الشريك في صناعة القيمة الاجتماعية. وتُجسّد منظومة المملكة العربية السعودية المتنامية كيف يمكن تحقيق ذلك على نطاقٍ واسع. فهي لا تكتفي بحشد الأعداد الكبيرة، بل تُرسّخ ثقافةً تحمل فيها المشاركة معنىً مؤسسيًا.
وفي الاقتصادات سريعة التحوّل، يُعدّ هذا أمرًا بالغ الأهمية. فرأس المال قادرٌ على تسريع التنمية، والسياسات قادرةٌ على تنسيقها، لكن دون ثقةٍ وملكيةٍ مشتركة تبقى الأنظمة هشّة. وفي هذا السياق، لم يعد التطوّع نشاطًا هامشيًا—بل أصبح شكلًا من أشكال البنية التحتية الاجتماعية التي تقوم عليها المجتمعات الصامدة والموثوقة.
It's a good idea to use a strong password that you're not using elsewhere.
Remember password? Login here
Our content is free but you need to subscribe to unlock full access to our site.
Already subscribed? Login here
Sign in to access all of our content and resources.
Not subscribed? Register here. Forgotten your password? Reset here
Simply provide your email, and we'll send you a link to reset your password.
Remember password? Login here