إعادة بناء الحياة

الدكتور غسان أبو ستة يشرح لماذا يحتاج الأطفال مبتورو الأطراف في غزة إلى خطة تأهيل شاملة

Mohammed Ibrahim 0Bs2uwwjsem Unsplash

الدكتور غسان أبو ستة هو جرّاح بريطاني-فلسطيني متخصص في جراحة التجميل والترميم والجراحة الترميمية المتقدمة. يشغل حاليًا منصب الراعي (Lord Rector) لجامعة غلاسكو، وأستاذ الجراحة في الجامعة الأميركية في بيروت، ورئيس قسم طب النزاعات في الجامعة نفسها، ومدير برنامج طب النزاعات في معهد الصحة العالمية التابع للجامعة الأميركية في بيروت. كما يعمل أستاذًا مشاركًا في كلية الطب بجامعة ترينيتي في دبلن، ومحاضرًا أول فخريًا في مركز دراسات إصابات الانفجارات في كلية إمبريال لندن، ومحاضرًا أول زائرًا في مجموعة أبحاث النزاع والصحة بكلية علوم الحياة والطب في جامعة كينغز كوليدج لندن. عمل الدكتور أبو ستة جرّاحًا في مناطق النزاع في اليمن والعراق وسوريا وجنوب لبنان وقطاع غزة، حيث أمضى 43 يومًا هناك في عام 2023 عقب هجوم السابع من أكتوبر.

عندما يفقد طفل أحد أطرافه في الحرب، فإن الإصابة لا تكون جسدية فحسب؛ بل تمتد لتشمل أبعادًا نفسية وعاطفية واجتماعية، وقد ترقى إلى "وجودية" في كثير من الأحيان. ينهار عالم الطفل في لحظة واحدة. وغالبًا ما يكون منزله قد دُمّر، ووالداه قد قُتلا، وأشقاؤه قد فُقدوا.

وما لم نتعامل مع جميع هذه الأبعاد مجتمعة، فإننا سنخفق في حق هؤلاء الأطفال.

على مدى عقود، عملتُ في مناطق الحروب والمجتمعات المتأثرة بالنزاعات، في وقت تكررت صادفت فيه حقيقة تكررت باستمرار: لا وجود لحل سحري. لا مختبر أطراف صناعية، ولا طابعة ثلاثية الأبعاد، ولا مشروع بطولي منفرد قادر وحده على معالجة المشكلة.

ما نحتاجه حقيقةً هو مقاربة متكاملة قائمة على فهم شامل للمنظومة، ونظام يربط بين الجراحة، والأطراف الصناعية، وإعادة التأهيل، والصحة النفسية، والتعليم، وإعادة الاندماج المجتمعي ضمن مسار رعاية متماسك ومترابط.

إن علاج الإصابة التي تؤدي إلى البتر هو رحلة متدرجة تنطوي على عدة مراحل. تبدأ بالجراحة، ثم تنتقل إلى الجراحة الترميمية، ثم تركيب الطرف الصناعي الأولي، ثم إعادة التأهيل، وصولًا إلى إعادة الاندماج في المجتمع. وإذا انقطع أي جزء من هذا المسار، تصبح المراحل اللاحقة عديمة الجدوى.

ففي حال لم تُجرَ الجراحة اللازمة لتشكيل الطرف المبتور بطريقة سليمة، فإن الأطراف الصناعية غير الملائمة وما يصاحبها من ألم ستؤدي إلى وضع هذه الأطراف في الخزائن، وعودة الأطفال إلى الكراسي المتحركة. وإذا لم يكن الطرف الصناعي مهيأً ليتناسب مع طبيعة أرض غزة وظروفها، فسيتخلى الطفل عن استخدامه.

وعلاوة على ذلك، عدم تنفيذ عملية إعادة التأهيل على نحو سليم يفضي إلى إصابات ثانوية تبدأ بالظهور في الطرف الآخر السليم. وعند تجاهل إعادة الاندماج، مثل العودة إلى التعليم وتوفير الدعم النفسي-الاجتماعي، يُبقي الطفل معزولًا ومنفصلًا عن محيطه.

لقد شهدنا هذا السيناريو مرارًا وتكرارًا؛ حيث حصل أطفال على عدة أطراف صناعية مقدَّمة من منظمات غير حكومية مختلفة، لكنهم لم يستخدموها لأنها كانت مؤلمة أو ثقيلة أكثر من اللازم. هذا هو بالضبط ما يحدث عندما تُنفَّذ التدخلات بشكل مجزّأ ومنفصل. لهذا فنحن بحاجة إلى شبكة دعم مترابطة، لا إلى مشاريع متفرقة لا يجمعها إطار واحد.

ولهذا السبب أشعر بارتياح بالغ لإطلاق مبادرة مشتركة تقودها مؤسستان فلسطينيتان خيريتان، هما مؤسسة التعاون (Taawon) ومؤسسة منيب وأنجيلا المصري، بالشراكة مع معهد الصحة العالمية في الجامعة الأميركية في بيروت، وبالتنسيق مع وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتهدف هذه المبادرة إلى وضع خارطة طريق تمتد لعشرين عامًا لإعادة بناء منظومة التأهيل في قطاع غزة.

يُعدّ برنامج Gaza Rehab Care برنامجًا شاملًا لإعادة التأهيل موجّهًا لمبتوري الأطراف بسبب الحرب في غزة. وهو لا يركّز على تدخل واحد بعينه، بل يسعى إلى بناء منظومة رعاية متكاملة ترافق المصاب طوال حياته.

من خلال صندوق غسان أبو ستة للأطفال (GASCF)، وبالشراكة مع صندوق إغاثة أطفال فلسطين (PCRF)، نجحنا بالفعل في نقل ثلاثين (30) طفلًا مصابًا من غزة، عبر مصر، إلى المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت (AUBMC) لتلقي العلاج.

لطالما عالج لبنان جرحى الحروب على مدى عقود، بدءًا من الحرب الأهلية اللبنانية، مرورًا بالاعتداءات الإسرائيلية، وصولًا إلى التفجيرات في العراق والحرب الأهلية السورية. وتُعد خبرة المركز الطبي للجامعة الأميركية في بيروت في التعامل مع الإصابات المعقدة خبرة لا تضاهى، كما أن النظام الصحي اللبناني الأوسع قد تشكّل هو الآخر تحت وطأة الحروب المتكررة، ما جعل المنظمات غير الحكومية والهيئات التطوعية الأخرى مهيأة لتقديم خدمات إعادة التأهيل والدعم النفسي-الاجتماعي.

يحتاج الأطفال القادمون من غزة، الذين نتعامل معهم، إلى عدة عمليات جراحية نظرًا لتعقيد إصاباتهم. كما نوفر لهم دعمًا للصحة النفسية، وتعليمًا منزليًا بين العمليات الجراحية، ونحرص كذلك على حصول البالغين المرافقين لهم على الرعاية النفسية-الاجتماعية اللازمة.

قبل الحرب، عَرَفَت غزة ثمانية اختصاصيي أطراف صناعية يخدمون نحو 2000 مبتور. أما اليوم، فيُقدَّر عدد مبتوري الأطراف بما يتراوح بين 5000 و6500 شخص، من بينهم مئات الأطفال.

ويحتاج كل طفل إلى طرف صناعي جديد كل ستة إلى تسعة أشهر مع نموه. فهذه إصابات دائمة تتطلب تدخلات ورعاية تمتد مدى الحياة.

وبعد عامين من القصف الإسرائيلي المتواصل، أصبح النظام الصحي في غزة مُدمّرًا، وتحولت مستشفياته إلى أنقاض. ولا يزال الوصول إلى الرعاية يمثل تحديًا كبيرًا؛ فحتى الآن، ورغم وقف إطلاق النار، لا نستطيع إدخال الإمدادات الطبية الأساسية إلى القطاع. إذ أن الحصار خانق بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

إن حجم هذه الكارثة يفوق كل ما مرّ به أي إنسان من قبل. ولا تستطيع أي جهة واحدة، مهما بلغ حجمها أو نفوذها، أن تحل هذه الأزمة بمفردها.

“لا توجد حلول سحرية. هناك فقط العمل الجاد والصبور لبناء أنظمة تمنح أطفال غزة فرصة — ليس فقط للمشي من جديد، بل للعيش من جديد.”

Mohammed Ibrahim 0Kvdahapvfy Unsplash
الصورة: محمد إبراهيم، موقع أنسبلاش

وفي ظل التشرذم الذي يعانيه النظام الصحي، يصبح من الضروري إنشاء سجل صحي إلكتروني قائم على الحوسبة السحابية يضمن استمرارية الرعاية، ويَحُول دون سقوط الأطفال في فجوات الإهمال وانقطاع المتابعة.

تفيد فرقنا العاملة ميدانيًا في غزة بأن ما يصل إلى ألف شخص ممن يعانون من بتر في الأطراف لا يزالون بحاجة إلى عمليات جراحية قبل أن يتمكنوا حتى من التفكير في تركيب أطراف صناعية. ومن دون بيانات دقيقة وتنسيق فعّال، سيترك هؤلاء الأطفال طي النسيان.

نحن نعمل على وضع خطة تستند إلى المعرفة التي يجمعها جميع الأطراف المشاركين في هذه العملية، ثم ربط هذه المعلومات معًا لتشكيل جهة تنسيقية تتولى إدارة المسار العلاجي، وتضمن تكامل الجراحة، والأطراف الصناعية، وإعادة التأهيل، والصحة النفسية، والتعليم ضمن منظومة واحدة مترابطة.

إن تمويل المشاريع الفردية لن يحل هذه المشكلة أبدًا. فنحن بحاجة إلى منظومات تمويل متكاملة، تُدار من خلال جهات تنسيقية من النوع الذي نقترحه، بما يتيح الاستدامة طويلة الأمد وتقديم خدمات متكاملة.

ونحن ندعو المانحين إلى توجيه تمويلهم ضمن آلية تجميعية مشتركة تعمل مع جميع الفاعلين وأصحاب المصلحة، بهدف إنتاج خدمة متكاملة بدلًا من مبادرات متفرقة.

وتُعد السيادة الصحية عنصرًا بالغ الأهمية أيضًا. إذ لا بد أن تقود الجهود الفلسطينية هذه العملية، نظرًا لتعقيدات الواقع الميداني، بما يشمل نوعية المواد التي يمكن إدخالها إلى غزة، والقدرات المتاحة، والاحتياجات الفعلية للمرضى.

لا أحد يمتلك خبرة في التعامل مع كارثة بهذا الحجم، حيث أن حجم الإصابات، ودمار النظام الصحي، ودرجة التفكك، كلها أمور تتجاوز كل ما شهدناه سابقًا. ومع ذلك، لا بد أن نبدأ من مكان ما، وسنفعل.

من خلال العمل المشترك، يمكننا إنشاء منظومات رعاية وتأهيل في غزة، بدل الاكتفاء بتدخلات موضعية معزولة، قصيرة الأمد، مفروضة من الأعلى إلى الأسفل، ومحكوم عليها بالفشل.

نوجّه دعوتنا إلى المانحين والمؤسسات والحكومات للانضمام إلينا في بناء هذا البرنامج المتكامل لإعادة التأهيل القائم على مقاربة منظومية شاملة. موّلوا الأنظمة لا الجزر المنعزلة. استثمروا في الرعاية طويلة الأمد، لا في الحلول السريعة المؤقتة. ساعدونا على بناء مستقبل لا تكون فيه إصابة الطفل هي الأساس الذي يحدد شكل حياته ومسارها.

لا وجود لحل سحري. بل ينتج الحل عن العمل الشاق، والصبور، والدؤوب لبناء منظومات تمنح أطفال غزة فرصة حقيقية، لا للمشي من جديد وحسب، بل للعيش من جديد.